مثقف موريتاني كبير يشيد بفصاحة الرئيس الغزواني.. لِسَانُ الفَتَى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ...

أربعاء, 2020-01-22 01:37

د. أبوه ولد بلبلاه (*)

 

 

إخْوَتِي الأكَارِم، بعِيدًا عَن السِّيّاسَةِ ولُغَتِهَا وتَنْوِيهًا بلغَة السيَّاسَةِ وسَلَامةِ بِنْيَاتِهَا، تَابَعتُ خِلالَ نشْرَةِ الثَّامِنَةِ هَذَا المَسَاءَ خِطَابَيْ رئِيسِ الجمْهُورِيةِ ووَزِيرِ الشؤُون الإسْلَامِيةِ، فِي افْتِتاحِ أعمَالِ مُؤْتَمَر "دور الإسْلَام فِي إفْرِيقْيَا: التَّسَامُحُ...."، وَقَد أحيَى فِيَ الخِطابَانِ ذِكْرَيَاتٍ عَن شَيْئٍ قَدِيمٍ، كَالكِبْرِيتِ الأحمَرِ يُذْكَرُ ولَا يُرَى، لَمْ يَعرِفْهُ رَبْعُنَا مُنْذُ آمَادٍ سَحِيقَةٍ: رَئيسُ الْبِلَادِ واقِفٌ بِثَبَاتٍ فِي مَحفَلٍ، كَأنَّ عَلَى رُؤوسِهِم الطَّيْرَ، يُلقِي بالعَرَبِيةِ خِطَابًا بِالعَرَبيَةِ الرّاقِيَةِ، المُنْتَقَاةِ بِدِقَّةٍ وإحكَامٍ، ووَزِيرٌ  يُورِدُ شَوَاهِدَ الألفِيةِ فِي خِطَابٍ سَلِسٍ، مُنْسَابٍ دُونَ أنْ يَبِينَ بَلُّ التَّركِيبَه،
C'est du jamais vu depuis très longtemps !!!
 يُسْعِدُنِي أنْ أشِيدَ عَالِيًا وبِصَوتٍ صَادِقِ القَولِ، بَيِّنِ النَّبْرَةِ بِمُسْتَوَى لُغَةِ الخِطَابَيْنِ فَصَاحَةً وسَلَامةً وبَلَاغَةً وبَيَانًا، فَلَا أغْلَاطَ تَعبِيرِية ولا أخطَاءَ لُغَوية أو أسْلُوبِيَة ولا تَلَعثُمَ ولَا ارتِبَاكَ، إنَّهَا عَرَبِيَةُ العَرَبِيةِ القُحَّةِ التِي تُطرِبُ المُتَلَقّيَ وتُنْبِئُهُ بصِدقِ نِيَّةِ البَاثِّ واقْتِنَاعِهِ بمَا يُلْقِي.
فَلَم يَعُد الرَّئيس ولا الوَزِيرُ ذَلكَ القَارِئَ الذِي يُؤَدِّي فِعلًا ابْرُوتُوكُولِيًا تفْرِضُهُ تَقَالِيدُ الافْتِتَاحِ الرَّسمِيِّ للمؤْتَمَراتِ دُونَ أنْ يَفهَمَ ممَّا يُلقِي شَيئًا ولَا أنْ يَفْقَهَ كَثِيرًا ممَّا يَقُول، بَلْ إنَّهَا لُغَةُ إنْسَانٍ حَاضرٍ فِي الخِطَابِ، فَاعِلٍ فِيهِ، مُتَفَاعِلٍ مَعَهُ، فاهمٍ لمَا يَقرَأُ، قَارئٍ لِمَا يَفْهَمُ.
إخْوتِي الأفَاضِل، تَعرِفونَ، ولا شَكّ، أنّ الحَديثَ "عَنِ" اللُّغةِ يَخْتَلِفُ جَذْرِيّ الاختِلافِ عَن الحَدِيثِ "بِهَا"، كَمَا تُدرِكُونَ مَنطِقِيًا أنَّ التَّفْكِيرَ "فِي" اللّغةِ يُبَايِنُ التَّفْكِيرَ "بِهَا"، ذَلِكَ أنَّ الأسْلُوبِيّين و الألسُنِيّينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أنّ إتقَانَ اللغَةِ، أيّةِ لغَةٍ، وإحرَازَ مرتَبَةِ الكَفاءَةِ اللِّسَانِيةِ فِيها لَا يَتَأتَّى إلّا حِينَ يصِلُ المُتَكَلِّمُ مَرَاقِيَ الحَدِيثِ "بهَذِه اللّغَةِ" والتّفْكِيرِ "بِهَا"، أمّا التّفكِيرُ بِِلُغَةٍ والحَدِيثُ بأخْرَى فَمَزَلَّةٌ منْ رَامَهَا فَهْوَ المُكَلَّفُ جَمْعَ مَا لَمْ يُجْمَعِ، معَ الإشَارةِ إلَى أنّ بَعضَ أهْلِ الاخْتِصَاصِ يعتَبِرُونَهُ، إنْ أمْكَنَ تَحقُّقُهُ، مَقَامًا منْ مَقَامَاتِ النِّرفَانَا اللّغوِيَةِ السَّامِقَةِ.
مُوجِبُه أنّ الأسْلوبَ هوَ الإنْسَانُ ذَاتُهُ، كَمَا قَالَ :
De Buffon: "Le style est l'Homme même"
وعَلَيْه فإنَّنَا نحمَدُ مَولَانَا الذِي أحيَانَا حَتّى سَمِعنَا "بأمِّ عَينِنَا" رئيسًا لِهَذِهِ البِلَادِ  ووُزَرَاءَهُ يَتَحَدَّثُونَ بِثِقَةِ نَفْسٍ وطَلَاقَةِ لِسَانٍ لُغَةً عربِيةً نَاصِعَةً، نَقِيّةً، صَافِيَةً، سلِيمَةً، مُسَلَّمَةً لَا شِيّةَ فِيهَا.
زُمَلائي الأعِزَّاء، وَرَدَ هَذَا المَكْتُوبُ عَفْوًا، لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، سُطِّرَ تَحتَ وطأَةِ التّأثُّرِ الجَارفِ والإعجَابِ الَوَاعِي بِلغَةِ وأسْلُوبِ خِطَابَيْ الرَّجُليْنِ، فخَامةِ رَئِيسِ الجمْهُورِيةِ ومَعالِي وزِير الشّؤُون الإسْلَامِيَةِ، اللَّذَيْنِ أثْبَتَا، لِمَنْ يُخَامِرُهُ شَكٌّ، أنَّ الحِكْمَةَ وفَصلَ الخِطَابِ لَا يَسْتَقِيمَانِ ولا يُبِينَانِ مِنْ غَيرِ أنْ تَعِيَّهُمَا لُغَةٌ وَاعِيَةٌ ويُلقِيَهَمَا لِسَانٌ مُبِينٌ وتَتَلَقَّاهُمَا أذْنٌ صَاغِيَةٌ، هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى كُلّ اللُّغَاتِ العَالِمَةِ بِمَفُهُومِهَا اللّسَانِيِّ العِلْمِيِّ، بَعِيدًا عَن الانْكَفَاءِ عَلَى الذَّاتِ ورُؤْيَةِ الفَضْلِ اللُّغَوِيِّ عَلَى الغَيْرِ، فَبِالانْفِتَاحِ عَلَى الآخَرِ نَفْهَمُهُ ونُفْهِمُهُ ونَتَفَاهَمُ مَعَهَ، أمَّا خِلَافُ ذَلِكَ فَخِلَافٌ فَسُوءُ تَفَاهُمٍ فَتَنَابُزٌ بِالألْقَابِ فَتَنَافُرٌ فَانْتِقَامٌ فَتَنَاحُرٌ فَمَمَاتٌ، لعَمْرِي، لَمْ يُقَسْ بِمَمَاتِ...ولئِنْ كَانَ رئِيسُ الجمْهُورِيَةِ قَد افْتَتَحَ اليَوْمَ هَذَا المؤْتمَرَ الكَبيرَ عنِ التَّطرُّفِ والغُلُوِّ الدِّينِيِّ، فَحَرٍ بِسِيادَتِهِ أنْ يُشْفِعَهُ بِآخَرَ للتَّصَدّي للتّطَرُّفِ اللّغَوِيِ ومُحَارَبِةِ التَّلَوُّثِ اللِّسَانِيِّ والاسْتِيرادِ، خَارِجَ الأطُرِ القَانُونِيَةِ، لآرِّيفَاجِ ثَقَافَةِ الآخَرِ ومُنْتَجَاتِ حَضَارَتِه التِي تفْرِضُهَا، بقُوَةِ الغَلَبَةِ، مُقْتَضَيَاتُ العَوْلَمَةِ عَن طَرِيقِ السَّعيِ الحَثِيثِ إلَى فَرضِ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، مُوحِّدَةٍ تَحكُمُ أمْنَ كلَّ بلَاد وتَتَحَكُّمُ فِي أرزَاقِ العِبَاد.
أعِزَّائِي، سالَ بِيَ الوَاد، وكَان بالأمْكَانِ أنْ أسْبَحَ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا لَوْلَا أنَّ الوَقْتَ لَيْلٌ.
وفِي آخِر هَذَا المَطَافِ، أورِدُ بَيْتَيْنِ للْبَارُودِيِّ يَحسُنَانِ فِي هَذَا المَقَام، يقُولُ:
تَكَلَّمْتُ كالْمَاضِينَ قَبْلِي بِمَا جَرَت...بِهِ عَادَةُ الإنْسَانِ أنْ يَتَكَلَّمَا
فَلَا يَتَّهِمْنِي "بالتَّزَلُّفِ" جَاهِلٌ...فَلَا بُدَّ لِابْنِ الأَيْكِ أنْ يَتَرَنَّمَا.
أمَّا أبْيَاتُ أحمَدِنَا شِعرًا، نجْلِ عَبْدِ القَادِرِ، فَلَا ضَيْرَ فِي إيرَادِ أحَدِهَا تَعزِيزًا بثَالِثٍ لِبَيْتَيْ رَائِدِ الكلَاسِيكِيَةٓ، يَقُولُ:
وَمَا كُنْتُ مَدَّاحًا لِقَوْمٍ وإنْ عَلَوْا...ولكِنَّ فَضَلَ "الشَّخْصِ للشَّخْصِ" يُذْكَرُ.

دَوَّنَهُ، فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وإمْضَاءِ تَصَرُّفٍ، الفَقِيرُ إلَى رحمَةِ مَوْلَاه، رَاجِي عَفْوِهِ ورِضَاه، ابُّوه ولد بَلبَلّاه.

وأخْتِمُ قَوْلِي بالصَّلَاةِ عَلى الذِي...شَفَاعتَهُ أرجُو عَنَيْتُ مُحَمَّدَا.

 

____

 (*) أكاديمي ولغوي ومثقف موريتاني قدير